محمد متولي الشعراوي

9405

تفسير الشعراوي

فأنت خالق ، لكن ربَّك أحسَنُ الخالقين ، فأنت خلقتَ من موجود أمّا ربك عَزَّ وَجَلَّ فقد خلق من العدم ، أنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالة واحدة ، والله خلق خَلْقاً حياً نامياً ، يُحسُّ ويتحرك ويتكاثر ، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال ، وأوضحنا الفرق بين خَلْق وخَلْق . وقوله تعالى : { فتعالى الله الملك الحق } [ طه : 114 ] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع . فما الذي يُجبرك أنْ تأخذ تشريعاً من عبد مثلك ؟ ولماذا يأخذ هو تشريعك ؟ إذن : لا بُدَّ أن يكون المشرِّع أعلى من المشرَّع له . ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تُقال إلا له سبحانه كلمة ( سبحان الله ) أسمعتَ بشراً يقولها لبشر ؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ومعاندون ، ومع ذلك لم يقُلْها أحد مَدْحاً في أحد . كذلك كلمة ( تعالى وتبارك ) لا تُقال إلا لله ، فنقول : ( تباركت ربنا وتعاليت ) أي : وحدك لا شريك لك . فقوله : { فتعالى الله } [ طه : 114 ] علا قَدْره وارتفع التنزيه ارتفاعاً لا يوصل إليه ، أمّا التعالي في البشر فيما بينهم فأمْر ممقوتٌ ؛ أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق ، وهذه اللفتة يُعَبِّر عنها أهل الريف ، يقولون ( اللي ملوش كبير يشتري له كبير ) ؛ لأن الكبير هو الذي سيأخذ بيد الضعيف ويدكّ طغيان القوى ، فإذا لم يكُنْ لنا كبير نختلف ونضيع . إذن : من مصلحة الكون كله أنْ يكونَ الله متعالياً ، والحق ليس متعالياً علينا ، بل متعالٍ من أجلنا ولصالحنا ، فأيُّ مُتعالٍ أو جبار من